الشيخ سيد سابق
375
فقه السنة
هذه الاضرار الانفة ثبتت ثبوتا لا مجال فيه لشك أو ارتياب ، مما حمل كثرا من الدول الواعية على محاربة تعاطي الخمر وغيرها من المسكرات . وكان في مقدمة من حاول منع تعاطيها من الدول : أمريكا . فقد نشر في كتاب تنقيحات للسيد أبو الاعلى المودودي ما يأتي : منعت حكومة أمريكا الخمر ، وطاردتها في بلادها ، واستعملت جميع وسائل المدنية الحاضرة كالمجلات ، والمحاضرات ، والصور ، والسينما لتهجين شربها ، وبيان مضارها ومفاسدها . ويقدرون ما أنفقت الدولة في الدعاية ضد الخمر بما يزد على 60 مليون دولار ، وأن ما نشرته من الكتب والنشرات يشتمل على 10 بلايين صفحة ، وما تحملته في سبيل قانون التحريم في مدة أربعة عشر عاما لا يقل عن 250 مليون جنيها ، وقد أعدم فيها 300 نفس ، وسجن 335 ، 532 نفس ، وبلغت الغرامات إلى 16 مليون جنيها ، وصادرت من الاملاك ما يبلغ 400 مليون وأربعة ملايين جنيها ، ولكن كل ذلك لم يزد الأمة الأمريكية إلا غراما بالخمر وعنادا في تعاطيها ، حتى اضطرت الحكومة سنة 1933 إلى سحب هذا القانون وإباحة الخمر في مملكتها إباحة مطلقة . إنتهى . إن أمريكا قد عجزت عجزا تاما عن تحريم الخمر بالرغم من الجهود الضخمة التي بذلتها ، ولكن الاسلام الذي ربى الأمة على أساس من الدين ، وغرس في نفوس أفرادها غراس الايمان الحق ، وأحيا ضميرها بالتعاليم الصالحة والأسوة الحسنة لم يصنعا شيئا من ذلك ، ولم يتكلف مثل هذا الجهد ، ولكنها كلمة صدرت من الله استجابت لها النفوس استجابة مطلقة . روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : ما كان لنا خمر غير فضيخكم هذا الذي تسمونه الفضيخ . إني لقائم أسقي أبا طلحة وأبا أيوب ورجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، في بيتنا ، إذ جاء رجل فقال : هل بلغكم الخبر ؟ . فقلنا : لا ، فقال : إن الخمر قد حرمت . فقال : يا أنس ، أرق هذه القلال . قال : فما سألوا عنها ، ولا راجعوها بعد خبر الرجل . وهكذا يصنع الايمان بأهله .